الأسوار .. !

قصة قصيرة / من المجموعة القصصية “لحظات معه”

لم أكن سعيدة.. ليس اليوم فقط بل منذ أسبوعين.. أقل أو أكثر بيوم أو يومين لا أتذكر تحديداً.. لكنني أغرق في كم باهظ من المشاعر والأحاسيس الثقيلة المتناقضة، في حالة من الاكتئاب مذ وجدت نفسي بين هذه الأسوار العالية داخل هذا الضجيج الممزوج بالغبار.. مذ بدأت التردد يومياً ذهاباً وإياباً إلى هذه المدرسة الغريبة الكبيرة ذات الساحات المتربة والأسوار الملتفة الغامضة والمباني المترامية .

أشعر بضيق دائم لأسباب كثيرة، تأخرت الكتب لم نستلمها إلا مؤخراً ولم أقتنِ حقيبة جديدة حتى الآن، أبي مشغول جداً وإخوتي كثيرون لا يستطيع تلبية طلبات كل منا على حدة مابين الدفاتر والأقلام، ولذا رضيت بأن أُحْكِم كتبي بهذا الحزام العريض كالأولاد تماماً.. أشعر بالحرج الشديد أمام زميلاتي خاصة حين يحدث وتصطدم بي إحداهن وتسقط عباءتي المطوية بعناية فوق كتبي إضافة إلى أنها تجهدني كثيراً.. متى يا رب.. متى يحدث ويسعدني أبي بحقيبة جديدة ملونة حمراء أو زرقاء أو خضراء مثل أولئك التلميذات ذوات المستوى الرفيع والجيوب المحشوة بالأوراق النقدية..؟!

فصلي مكتظ بالطالبات عددنا فوق الأربعين طالبة أشعر بالضياع طوال الوقت و(المريول) أيضاً مزعج لا يبدو مناسباً لقد جربت ارتداءه قبلاً ولكن لا فائدة، كنت ولازلت أعاني من ضيقه وضغطه لأنحاء جسدي.. ليس من السهل استبداله الآن لابد من احتمال الأمر حتى ييسر الله الأمر لترضى أمي وأبي بخياطة مريول آخر جديد.. أو ربما أن جسدي قد امتلأ قليلاً فقد قالت لي جارتنا بأنني أكبر شيئاً فشيئاً وتبدو تغييرات مستمرة على جسدي ربما، لكنني لا أعاني سمنة إنني أكبر وخاصة في منطقة الصدر التي تزعجني وأشعر بها مصدر إحراج مستمر.. لم أكن بحاجة إلى مزيد من الاكتئاب.. يا رب كن معي..

كنت أغرق في أفكاري حين دق الجرس بصوت عال مزمجر إيذاناً ببدء (الفسحة).. حالما انقطع صوته فوجئت بصوت هامس.. يقول لي هل ترافقينني؟! نظرت إلى وجهها وعينيها الملونتين الواسعتين.. هززت رأسي بالموافقة ومضينا معاً.. هي أطول مني قليلاً، جسدها أكثر امتلاء لكننا في العمر ذاته.. شعرت بسعادة وهي تناديني لعلي أخرج بهذه الصداقة الجديدة من تلك الكآبة التي تنتابني طوال الوقت.. قلت لعلها تدعوني لمرافقتها للذهاب إلى المقصف لا أملك نقوداً كما هو الحال في معظم الأيام أو على الأصح جميع الأيام، ولكن لعلها تفعل فنشترك معاً بنقودها.. كانت صامتة هادئة جداً.. توجهنا إلى أحد المقاعد الحجرية تحت شجرة متوسطة ليست وارفة الظلال.. جلست بجانبها وأخذت أتأمل ما حولي.. ضجيج الطالبات وصرخاتهن والغبار الذي يملأ الفضاء جراء هذه الحركة المتواصلة.. حسناً يبدو أنه ليس ثمة مقصف ولا وجبة نسد بها جوع الصباح.. ربما لديها حديث خاص سوف تفضي به إلي.. التفت إليها في محاولة لاستدراجها للحديث رغم أني لست بأفضل منها فأنا أميل إلى الصمت كثيراً وسماع الآخرين.. التفت إليها.. فاجأتني دموعها التي كانت تسح على خديها شعرت بحزن وألم وإشفاق عليها..

ماذا.. ما بك؟ هل تعانين ألماً ما، صداع أو…؟

هزت رأسها:

–        لا..!

أطرقت قليلاً ثم تمعنت مرة أخرى في وجهها..

–        لماذا البكاء؟!

أجابتني بمزيد من الدموع..

غرقت في صمت سحيق حارق وعدت أتأمل الطالبات محدثة نفسي بأنها ستتحدث حين تنتهي من نوبة البكاء.. ربما أنها مثلي، إخوتها كثيرون ولا تحصل على احتياجاتها إلا بشق الأنفس أو لعلها تشعر بالغربة مثلي تماماً بين هذه الأسوار العالية أو ربما هي حزينة لأنها هنا وفلسطين بلادها هناك.. (عرفت ذلك من إجابتها للمعلمة حين كانت تراجع أسماءنا واحدة، واحدة سألتها: فيما إذا كانت سورية، ربما لبياض بشرتها الواضح أجابت: لا، بل فلسطينية!)

استيقظت من صمتي السحيق وسط هذا الموج الصاخب من الأفكار على صوت الجرس يزمجر مرة أخرى إيذاناً بانتهاء الفسحة.. انتهت الاستراحة ولم نفعل شيئاً سوى الإحساس بمزيد من الألم.. هي تبكي وأنا أتأمل.. وقفت، وقفت معها احتراماً للحظة حزنها وعدنا أدراجنا إلى مقاعدنا الخشبية الباهتة.. الباردة..

لم أكن سعيدة.. ليس اليوم فقط بل منذ أسبوعين.. أقل أو أكثر بيوم أو يومين، لا أتذكر تحديداً لكنني أغرق في كم باهظ من الأحاسيس الثقيلة المتناقضة مذ وجدت نفسي داخل هذه الأسوار العالية.. داخل هذا الضجيج الممزوج بالغبار .